السبت، 2 يوليو، 2011

إنهم يخطفون اللغة إنهم يخطفون القصيدة

nizar qabbni

"1"

إنهم يخطفون اللغة إنهم يخطفون القصيدة
في زمن اللاكتابة..لا أدري ماذا أكتب؟
في زمن اللاحوار..لا أعرف كيف احاور يديك الجميلتين
وفي زمن الحب البلاستيكي..!
لا أجد في كل لغات الدنيا..جملة مفيدة..
أزين بها شعرك الطري..كصوف الكشمير..
فالأشجار ترتدي الملابس المرقطة والقمر..
يلبس خوذته المعدنية كل ليلة
ويقوم بدورية الحراسة خلف شبابيكنا..



"2"
العالم يا حبيبتي..مخفر بوليس كبير
وعلينا أن نقف في الطابور كل يوم..
لكي نثبت..أننا لا نقرب النساء..
ولا نتعاطى إلا العلف والماء..
ولا نعرف شيئا عن زرقة البحر ولا تركواز السماء
وأننا لا نقرأ الكتب المقدسة
وليس في بيوتنا مكتبة..ولا ..دفاتر..ولا أقلام رصاص
وأننا لا نزال..أمواتا عند ربهم يرزقون



"3"
وفي هذا الزمن الذي باع كل أنبيائه
ليشتري مكيفا للهواء
وباع كل شعرائه ليقتني جهاز فيديو
في هذا الزمن..الذي يقايض الوردة..بساعة (سايكو)
وقصيدة الشعر بحذاء
في هذا الزمن المدجج بموسيقى الجاز
وسراويل الجينز وشيكات الأمريكان (اكسبريس)
في هذا الزمن الذي يعتبر (سيلفستر ستالوني) أعظم من الاسكندر المقدوني
ويصبح به (مايكل جاكسون) أكثر شعبية من السيد المسيح..!
أشعر للحاجة بالبكاء على كتفيك
قبل أن يفترسنا عصر الفورميكا..وعصر تأجير الأرحام..
أشعر بالحاجة,يا حبيبتي,لقراءة آخر قصيدة حب كتبتها
قبل أن تصبحي آخر النساء..واصبح أنا
آخر حيوان يقرض الشعر..



"4"
في زمن الميليشيات المثقفة
والكتابات المفخخة..والنقد المسلح..
في زمن الإيديولوجيات الكاتمة للصوت..!
والمذاهب الكاتمة للصوت..
والفتاوى الكاتمة للوت..
في زمن خطف القصيدة..بسبب انوثتها..
وخطف المرأة ..بسبب شموخ نهديها
وخطف اللغة..بسبب أسفارها الكثيرة إلى أوروبا..
وخطف الشاعر..بسبب علاقته المشبوهة..
مع رامبو..وفيرلين..وول ايلور..ورينه شار
وغيرهم من الشعراء الصليبيين
في زمن المسدس الذي لا يقرأ ولا يكتب
أقرأ في كتاب عينيك السوداوين..
كما يقرأ المعتقل السياسي كتابا ممنوعا عن الحرية..!
وكما يفرح المسجون..بعلبة سجائر مهربة..



"5"
في زمن هذا الايدز الثقافي
الذي أكل نصف أصابعنا..ونصف دفاترنا..ونصف ضمائرنا..
في زمن التلوث الذي لم يترك لنا غصنا أخضر..ولا حرفا أخضر
في زمن الكتابة الخارجية من رحم النفط
والصحافة التي فقدت بكارتها مليون مرة..
في زمن..صار فيه (وول ستريت)أهم من سوق عكاظ..!
و(سلطان بروناي) أهم من أبي الطيب المتنبي..!
التجئ إلى ذراعيك المفتوحتين..
كما تلتجئ الحمامة إلى برج كاتدرائية..
وكمما تتخبئ غزالة بين القصب من بواريد الصيادين..



"6"
في عصر أدب الأنابيب
في زمن صار فيه الغزل بالكمبيوتر
وهذه الأرداف بالكمبيوتر
وهذه الأقلام بالكمبيوتر
احاول أن أهرب إلى مرافئ عينيك..
حيث السباحة لا تزال ممكنة..وكتابة الشعر لا تزال ممكنة..



"7"
في زمن يخاف فيه القلم من الكلام مع الورقة..
ويخاف فيه الرضيع من الاقتراب من ثدي امه..
ويخاف فيه الليل أن يمشي وحده في الشارع..
وتخاف فيه الوردة من رائحتها..!
والكتب من عناوينها..
في زمن..لا فضل فيه لعربي على عربي
إلا بالقدرة على الخوف..والقدرة على البكاء..
انادي عليك..
بكل الكلمات التي أحفظها من زمن الطفولة
والتي كتبتها على دفتر مدرسي صغير..
طمرته في حديقة البيت..
حتى لا يسقط بين أنياب المتوحشين..



"8"
في زمن سافرت فيه الأخلاق دون أن تترك عنوان..
أتوسل إليك..أن تظلي معي
حتى تظل السنابل بخير..والجدول بخير
والحرية بخير..وجمهورية الحب..رافعة أعلامها..
نزار قباني 











1 comments:

إرسال تعليق

Share | مشاركة

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More