الأحد، 3 مارس، 2013

تناقضات ن.ق


1
وما بين حُبٍّ وحُبٍّ.. أُحبُّكِ أنتِ..
وما بين واحدةٍ ودَّعَتْني..
وواحدةٍ سوف تأتي..
أُفتِّشُ عنكِ هنا.. وهناكْ..
كأنَّ الزمانَ الوحيدَ زمانُكِ أنتِ..
كأنَّ جميعَ الوعود تصبُّ بعينيكِ أنتِ..
فكيف أُفسِّرُ هذا الشعورَ الذي يعتريني
صباحَ مساءْ..
وكيف تمرّينَ بالبالِ، مثل الحمامةِ..
حينَ أكونُ بحَضْرة أحلى النساءْ؟.

2
وما بينَ وعديْنِ.. وامرأتينِ..
وبينَ قطارٍ يجيء وآخرَ يمضي..
هنالكَ خمسُ دقائقَ..
أدعوك ِ فيها لفنجان شايٍ قُبيلَ السَفَرْ..
هنالكَ خمسُ دقائقْ..
بها أطمئنُّ عليكِ قليلا..
وأشكو إليكِ همومي قليلا..
وأشتُمُ فيها الزمانَ قليلا..
هنالكَ خمسُ دقائقْ..
بها تقلبينَ حياتي قليلا..
فماذا تسمّينَ هذا التشتُّتَ..
هذا التمزُّقَ..
هذا العذابَ الطويلا الطويلا..
وكيف تكونُ الخيانةُ حلاًّ؟
وكيف يكونُ النفاقُ جميلا؟...

3
وبين كلام الهوي في جميع اللّغاتْ
هناكَ كلامٌ يقالُ لأجلكِ أنتِ..
وشِعْرٌ.. سيربطه الدارسونَ بعصركِ أنتِ..
وما بين وقتِ النبيذ ووقتِ الكتابة.. يوجد وقتٌ
يكونُ به البحرُ ممتلئاً بالسنابلْ
وما بين نُقْطَة حِبْرٍ..
ونُقْطَة حِبْرٍ..
هنالكَ وقتٌ..
ننامُ معاً فيه، بين الفواصلْ..

4
وما بين فصل الخريف، وفصل الشتاءْ
هنالكَ فَصْلُ أُسَمِّيهِ فصلَ البكاءْ
تكون به النفسُ أقربَ من أيِّ وقتٍ مضى للسماءْ..
وفي اللحظات التي تتشابهُ فيها جميعُ النساءْ
كما تتشابهُ كلُّ الحروف على الآلة الكاتبهْ
وتصبحُ فيها ممارسةُ الجنسِ..
ضرباً سريعاً على الآلة الكاتبَهْ
وفي اللحظاتِ التي لا مواقفَ فيها..
ولا عشقَ، لا كرهَ، لا برقَ، لا رعدَ، لا شعرَ، لا نثرَ،
لا شيءَ فيها..
أُسافرْ خلفكِ، أدخلُ كلَّ المطاراتِ، أسألُ كلَّ الفنادق
عنكِ، فقد يتصادفُ أنَّكِ فيها...

5
وفي لحظاتِ القنوطِ، الهبوطِ، السقوطِ، الفراغ، الخِواءْ.
وفي لحظات انتحار الأماني، وموتِ الرجاءْ
وفي لحظات التناقضِ،
حين تصير الحبيباتُ، والحبُّ ضدّي..
وتصبحُ فيها القصائدُ ضدّي..
وتصبحُ – حتى النهودُ التي بايعتْني على العرش- ضدّي
وفي اللحظات التي أتسكَّعُ فيها على طُرُق الحزن وحدي..
أُفكِّر فيكِ لبضع ثوانٍ..
فتغدو حياتي حديقةَ وردِ..

6
وفي اللحظاتِ القليلةِ..
حين يفاجئني الشعرُ دونَ انتظارْ
وتصبحُ فيها الدقائقُ حُبْلى بألفِ انفجارْ
وتصبحُ فيها الكتابةُ فِعْلَ انتحارْ..
تطيرينَ مثل الفراشة بين الدفاتر والإصْبَعَيْنْْ
فكيف أقاتلُ خمسينَ عاماً على جبهتينْ؟
وكيفَ أبعثر لحمي على قارَّتين؟
وكيفَ أُجَاملُ غيركِ؟
كيفَ أجالسُ غيركِ؟
كيفَ أُضاجعُ غيركِ؟ كيفْ..
وأنتِ مسافرةٌ في عُرُوق اليدينْ...

7
وبين الجميلات من كل جنْسٍ ولونِ.
وبين مئات الوجوه التي أقنعتْني .. وما أقنعتْني
وما بين جرحٍ أُفتّشُ عنهُ، وجرحٍ يُفتّشُ عنِّي..
أفكّرُ في عصرك الذهبيِّ..
وعصرِ المانوليا، وعصرِ الشموع، وعصرِ البَخُورْ
وأحلم في عصرِكِ الكانَ أعظمَ كلّ العصورْ
فماذا تسمّينَ هذا الشعور؟
وكيفَ أفسِّرُ هذا الحُضُورَ الغيابَ، وهذا الغيابَ الحُضُورْ
وكيفَ أكونُ هنا.. وأكونً هناكْ؟
وكيف يريدونني أن أراهُمْ..
وليس على الأرض أنثى سواكْ

8
أُحبُّكِ.. حين أكونُ حبيبَ سواكِ..
وأشربُ نَخْبَكِ حين تصاحبني امرأةٌ للعشاءْ
ويعثر دوماً لساني..
فأهتُفُ باسمكِ حين أنادي عليها..
وأُشغِلُ نفسي خلال الطعامْ..
بدرس التشابه بين خطوط يديْكِ..
وبينَ خطوط يديها..
وأشعرُ أني أقومُ بِدَوْر المهرِجِ...
حين أُركّزُ شالَ الحرير على كتِفَيْها..
وأشعرُ أني أخونُ الحقيقةَ..
حين أقارنُ بين حنيني إليكِ، وبين حنيني إليها..
فماذا تسمّينَ هذا؟
ازدواجاً.. سقوطاً.. هروباً.. شذوذاً.. جنوناً..
وكيف أكونُ لديكِ؟
وأزعُمُ أنّي لديها..

نزار قباني


--> -->

السبت، 29 ديسمبر، 2012

محاولاتٌ لقتل امرأةٍ لا تُقْتَل


1

وعدتُكِ أن لا أُحِبَّكِ..
ثُمَّ أمامَ القرار الكبيرِ، جَبُنْتْ
وعدتُكِ أن لا أعودَ...
وعُدْتْ...
وأن لا أموتَ اشتياقاً
ومُتّْ
وعدتُ مراراً
وقررتُ أن أستقيلَ مراراً
ولا أتذكَّرُ أني اسْتَقَلتْ...

2

وعدتُ بأشياء أكبرَ منّي..
فماذا غداً ستقولُ الجرائدُ عنّي؟
أكيدٌ.. ستكتُبُ أنّي جُنِنْتْ..
أكيدٌ.. ستكتُبُ أنّي انتحرتْ
وعدتُكِ..
أن لا أكونَ ضعيفاً... وكُنتْ..
وأن لا أقولَ بعينيكِ شعراً..
وقُلتْ...
وعدتُ بأَنْ لا ...
وأَنْ لا..
وأَنْ لا ...
وحين اكتشفتُ غبائي.. ضَحِكْتْ...

3

وَعَدْتُكِ..
أن لا أُبالي بشَعْرِكِ حين يمرُّ أمامي
وحين تدفَّقَ كالليل فوق الرصيفِ..
صَرَخْتْ..
وعدتُكِ..
أن أتجاهَلَ عَيْنَيكِ ، مهما دعاني الحنينْ
وحينَ رأيتُهُما تُمطرانِ نجوماً...
شَهَقْتْ...
وعدتُكِ..
أنْ لا أوجِّهَ أيَّ رسالة حبٍ إليكِ..
ولكنني – رغم أنفي – كتبتْ
وعَدْتُكِ..
أن لا أكونَ بأيِ مكانٍ تكونينَ فيهِ..
وحين عرفتُ بأنكِ مدعوةٌ للعشاءِ..
ذهبتْ..
وعدتُكِ أن لا أُحِبَّكِ..
كيفَ؟
وأينَ؟
وفي أيِّ يومٍ تُراني وَعَدْتْ؟
لقد كنتُ أكْذِبُ من شِدَّة الصِدْقِ،
والحمدُ لله أني كَذَبْتْ....

4

وَعَدْتُ..
بكل بُرُودٍ.. وكُلِّ غَبَاءِ
بإحراق كُلّ الجسور ورائي
وقرّرتُ بالسِّرِ، قَتْلَ جميع النساءِ
وأعلنتُ حربي عليكِ.
وحينَ رفعتُ السلاحَ على شفتيكِ
انْهَزَمتْ..
وحين رأيتُ يَدَيْكِ المُسالمْتينِ..
اختلجتْ..
وَعَدْتُ بأنْ لا .. وأنْ لا .. وأنْ لا ..
وكانت جميعُ وعودي
دُخَاناً ، وبعثرتُهُ في الهواءِ.

5

وَغَدْتُكِ..
أن لا أُتَلْفِنَ ليلاً إليكِ
وأنْ لا أفكّرَ فيكِ، إذا تمرضينْ
وأنْ لا أخافَ عليكْ
وأن لا أقدَّمَ ورداً...
وأن لا أبُوسَ يَدَيْكْ..
وَتَلْفَنْتُ ليلاً.. على الرغم منّي..
وأرسلتُ ورداً.. على الرغم منّي..
وبِسْتُكِ من بين عينيْكِ، حتى شبِعتْ
وعدتُ بأنْ لا.. وأنْ لا .. وأنْ لا..
وحين اكتشفتُ غبائي ضحكتْ...

6

وَعَدْتُ...
بذبحِكِ خمسينَ مَرَّهْ..
وحين رأيتُ الدماءَ تُغطّي ثيابي
تأكَّدتُ أنّي الذي قد ذُبِحْتْ..
فلا تأخذيني على مَحْمَلِ الجَدِّ..
مهما غضبتُ.. ومهما انْفَعَلْتْ..
ومهما اشْتَعَلتُ.. ومهما انْطَفَأْتْ..
لقد كنتُ أكذبُ من شدّة الصِدْقِ
والحمدُ لله أنّي كَذَبتْ...

7

وعدتُكِ.. أن أحسِمَ الأمرَ فوْراً..
وحين رأيتُ الدموعَ تُهَرْهِرُ من مقلتيكِ..
ارتبكْتْ..
وحين رأيتُ الحقائبَ في الأرضِ،
أدركتُ أنَّكِ لا تُقْتَلينَ بهذي السُهُولَهْ
فأنتِ البلادُ .. وأنتِ القبيلَهْ..
وأنتِ القصيدةُ قبلَ التكوُّنِ،
أنتِ الدفاترُ.. أنتِ المشاويرُ.. أنت الطفولَهْ..

8

وَعَدْتُ..
بإلغاء عينيْكِ من دفتر الذكرياتِ
ولم أكُ أعلمُ أنّي سأُلغي حياتي
ولم أكُ أعلمُ أنِك..
- رغمَ الخلافِ الصغيرِ – أنا..
وأنّي أنتْ..
وَعَدْتُكِ أن لا أُحبّكِ...
- يا للحماقةِ -
ماذا بنفسي فعلتْ؟
لقد كنتُ أكذبُ من شدّة الصدقِ،
والحمدُ لله أنّي كَذَبتْ...

9

وَعَدْتُكِ..
أنْ لا أكونَ هنا بعد خمس دقائقْ..
ولكنْ.. إلى أين أذهبُ؟
إنَّ الشوارعَ مغسولةٌ بالمَطَرْ..
إلى أينَ أدخُلُ؟
إن مقاهي المدينة مسكونةٌ بالضَجَرْ..
إلى أينَ أُبْحِرُ وحدي؟
وأنتِ البحارُ..
وأنتِ القلوعُ..
وأنتِ السَفَرْ..
فهل ممكنٌ..
أن أظلَّ لعشر دقائقَ أخرى
لحين انقطاع المَطَرْ؟
أكيدٌ بأنّي سأرحلُ بعد رحيل الغُيُومِ
وبعد هدوء الرياحْ..
وإلا..
سأنزلُ ضيفاً عليكِ
إلى أن يجيءَ الصباحْ....

10

وعدتُكِ..
أن لا أحبَّكِ، مثلَ المجانين، في المرَّة الثانيَهْ
وأن لا أُهاجمَ مثلَ العصافيرِ..
أشجارَ تُفّاحكِ العاليَهْ..
وأن لا أُمَشّطَ شَعْرَكِ – حين تنامينَ –
يا قطّتي الغاليَهْ..
وعدتُكِ، أن لا أُضيعَ بقيّة عقلي
إذا ما سقطتِ على جسدي نَجْمةً حافيَهْ
وعدتُ بكبْح جماح جُنوني
ويُسْعدني أنني لا أزالُ
شديدَ التطرُّفِ حين أُحِبُّ...
تماماً، كما كنتُ في المرّة الماضيَهْ..

11

وَعَدْتُكِ..
أن لا أُطَارحَكِ الحبَّ، طيلةَ عامْ
وأنْ لا أخبئَ وجهي..
بغابات شَعْرِكِ طيلةَ عامْ..
وأن لا أصيد المحارَ بشُطآن عينيكِ طيلةَ عامْ..
فكيف أقولُ كلاماً سخيفاً كهذا الكلامْ؟
وعيناكِ داري.. ودارُ السَلامْ.
وكيف سمحتُ لنفسي بجرح شعور الرخامْ؟
وبيني وبينكِ..
خبزٌ.. وملحٌ..
وسَكْبُ نبيذٍ.. وشَدْوُ حَمَامْ..
وأنتِ البدايةُ في كلّ شيءٍ..
ومِسْكُ الختامْ..

12

وعدتُكِ..
أنْ لا أعودَ .. وعُدْتْ..
وأنْ لا أموتَ اشتياقاً..
ومُتّ..
وعدتُ بأشياءَ أكبرَ منّي
فماذا بنفسي فعلتْ؟
لقد كنتُ أكذبُ من شدّة الصدقِ،
والحمدُ للهِ أنّي كذبتْ....

نزار قباني
--> -->

السبت، 17 نوفمبر، 2012

القدس


بكيت.. حتى انتهت الدموع
صليت.. حتى ذابت الشموع
ركعت.. حتى ملّني الركوع
سألت عن محمد، فيكِ وعن يسوع

يا قُدسُ، يا مدينة تفوح أنبياء
يا أقصر الدروبِ بين الأرضِ والسماء
يا قدسُ، يا منارةَ الشرائع
يا طفلةً جميلةً محروقةَ الأصابع
حزينةٌ عيناكِ، يا مدينةَ البتول
يا واحةً ظليلةً مرَّ بها الرسول
حزينةٌ حجارةُ الشوارع
حزينةٌ مآذنُ الجوامع
يا قُدس، يا جميلةً تلتفُّ بالسواد
من يقرعُ الأجراسَ في كنيسةِ القيامة؟
صبيحةَ الآحاد..
من يحملُ الألعابَ للأولاد؟
في ليلةِ الميلاد..

يا قدسُ، يا مدينةَ الأحزان
يا دمعةً كبيرةً تجولُ في الأجفان
من يوقف الحجارة يا بلدي
من يوقفُ العدوان يا بلدي؟
عليكِ، يا لؤلؤةَ الأديان
من يغسل الدماءَ عن حجارةِ الجدران؟
من ينقذُ الإنجيل؟
من ينقذُ القرآن؟
من ينقذُ المسيحَ ممن قتلوا المسيح؟
من ينقذُ الإنسان؟

يا قدسُ.. يا مدينتي
يا قدسُ.. يا حبيبتي
غداً.. غداً.. سيزهر الليمون
وتفرحُ السنابلُ الخضراءُ والزيتون
وتضحكُ العيون..
وترجعُ الحمائمُ المهاجرة..
إلى السقوفِ الطاهره
ويرجعُ الأطفالُ يلعبون
ويلتقي الآباءُ والبنون
على رباك الزاهرة..

يا بلدي..
يا بلد السلام والزيتون

نزار قباني

-->

-->

الأربعاء، 17 أكتوبر، 2012

سأقول لكِ أحبّكِ



1

سَأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمَه
فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ..
عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي..
في تغيير حجارة هذا العالمْ..
وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ..
شجرةً بعد شَجَرَهْ..
وكوكباً بعد كوكبْ..
وقصيدةً بعد قصيدَه..

2

سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ وبين دفاتري..
ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا..
وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة..
هي يدي أنا..
سأقولها، عندما أصبح قادراً،
على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري،
ومراكبي الورقيَّهْ..
واستعادةِ الزَمَن الأزرق معكِ على شواطيء بيروتْ..
حين كنتِ ترتعشين كسمَكةٍ بين أصابعي..
فأغطّيكِ، عندما تَنْعَسينْ،
بشَرْشَفٍ من نُجُوم الصيفْ..

3

سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
وسنابلَ القمح حتى تنضجَ.. بحاجةٍ إليكِ..
والينابيعَ حتى تتفجَّرْ..
والحضارةَ حتى تتحضَّرْ..
والعصافيرَ حتى تتعلَّمَ الطيرانْ..
والفراشات حتى تتعلَّمَ الرَسْم..

4

سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
عندما تسقط الحدودُ نهائياً بينكِ وبين القصيدَهْ..
ويصبح النومُ على وَرَقة الكتابَهْ
ليسَ الأمرُ سَهْلاً كما تتصوَّرينْ..
خارجَ إيقاعاتِ الشِّعرْ..
ولا أن أدخلَ في حوارٍ مع جسدٍ لا أعرفُ أن أتهجَّاهْ..
كَلِمَةً كَلِمَهْ..
ومقطعاً مقطعاً...
إنني لا أعاني من عُقْدَة المثقّفينْ..
لكنَّ طبيعتي ترفضُ الأجسادَ التي لا تتكلَّمُ بذكاءْ...
والعيونَ التي لا تطرحُ الأسئلَهْ..
إن شَرْطَ الشهوَة عندي، مرتبطٌ بشَرْط الشِّعْرْ
فالمرأةُ قصيدةٌ أموتُ عندما أكتُبُها..
وأموتُ عندما أنساها..

5

سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..
عندما أبرأُ من حالة الفُصَام التي تُمزِّقُني..
وأعودُ شخصاً واحداً..
سأقُولُها، عندما تتصالحُ المدينةُ والصحراءُ في داخلي.
وترحلُ كلُّ القبائل عن شواطيء دمي..
الذي حفرهُ حكماءُ العالم الثالث فوق جَسَدي..
التي جرّبتُها على مدى ثلاثين عاماً...
فشوَّهتُ ذُكُورتي..
وأصدَرَتْ حكماً بِجَلْدِكِ ثمانينَ جَلْدَهْ..
بِتُهْمةِ الأُنوثهْ...
لذلك. لن أقولَ لكِ (أُحِبّكِ).. اليومْ..
ورُبَّما لن أَقولَها غداً..
فالأرضُ تأخذ تسعةَ شُهُورٍ لتُطْلِعَ زهْرَهْ
والليل يتعذَّبُ كثيراً.. لِيَلِدَ نَجْمَهْ..
والبشريّةُ تنتظرُ ألوفَ السنواتِ.. لتُطْلِعَ نبيَّاً..
فلماذا لا تنتظرينَ بعضَ الوقتْ..
لِتُصبِحي حبيبتي؟؟.

نزار قباني
-->

-->

الاثنين، 8 أكتوبر، 2012

ألا تجلسينَ قليلاً؟


ألا تجلسينَ قليلاً
ألا تجلسين؟
فإن القضية أكبرَ منكِ.. وأكبرَ مني..
كما تعلمين..
وما كان بيني وبينكِ..
لم يكُ نقشاً على وجه ماء
ولكنه كان شيئاً كبيراً كبيراً..
كهذي السماء
فكيف بلحظةِ ضعفٍ
نريد اغتيالَ السماء؟..

ألا تجلسين لخمس دقائقَ أخرى؟
ففي القلب شيءٌ كثير..
وحزنٌ كثيرٌ..
وليس من السهل قتلُ العواطف في لحظات
وإلقاءُ حبكِ في سلةِ المهملات..

فإن تراثاً من الحبِ.. والشعرِ.. والحزن..
والخبز.. والملحِ.. والتبغ.. والذكريات
يحاصرنا من جميع الجهات
فليتكِ تفتكرينَ قليلاً بما تفعلين
فإن القضيةَ..
أكبرُ منكِ.. وأكبرُ مني..
كما تعلمين..
ولكنني أشعر الآن أن التشنج ليس علاجاً
لما نحن فيهِ..
وأن الحمامةَ ليست طريقَ اليقين
وأن الشؤون الصغيرة بيني وبينكِ..
ليست تموتُ بتلك السهوله
وأن المشاعرَ لا تتبدلُ مثل الثياب الجميلهْ..
أنا لا أحاولُ تغييرَ رأيكِ..
إن القرارَ قرارُكِ طبعاً..
ولكنني أشعر الآن أن جذورك تمتد في القلبِ،
ذاتَ الشمالِ ، وذات اليمين..
فكيف نفكُّ حصارَ العصافير، والبحرِ،
والصيفِ، والياسمينْ..
وكيف نقصُّ بثانيتين؟
شريطاً غزلناه في عشرات السنين..

- سأسكب كأساً لنفسي..
- وأنتِ؟
تذكرتُ أنكِ لا تشربين..
أنا لست ضد رحيلكِ.. لكن..
أفكر أن السماء ملبدةٌ بالغيوم..
وأخشى عليكِ سقوطَ المطر
فماذا يضيركِ لو تجلسين؟
لحين انقطاع المطرْ..
وما يضيركِ؟
لو تضعينَ قليلاً منَ الكحل فوق جفونكِ..
أنتِ بكيتِ كثيراً..
ومازال وجهكِ رغم اختلاط دموعك بالكحل
مثلَ القمرْ..

أنا لست ضدّ رحيلكِ..
لكنْ..
لديَّ اقتراح بأن نقرأ الآن شيئاً من الشعرِ.
علَّ قليلاً من الشعرِ يكسرُ هذا الضجرْ..
... تقولينَ إنكِ لا تعجبين بشعري!!
سأقبل هذا التحدي الجديدْ..
بكل برودٍ.. وكل صفاء
وأذكرُ..
كم كنتِ تحتفلينَ بشعري..
وتحتضنينَ حروفي صباحَ مساءْ..
وأضحكُ..
من نزواتِ النساء..
فليتكِ سيدتي تجلسين
فإن القضية أكبر منكِ .. وأكبرُ مني..
كما تعلمين..

أما زلتِ غضبى؟
إذن سامحيني..
فأنتِ حبيبةُ قلبي على أي حال..
سأفرضً أني تصرفتُ مثل جميع الرجال
ببعض الخشونهْ..
وبعض الغرورْ..
فهل ذاك يكفي لقطع جميع الجسورْ؟
وإحراقِ كل الشجر..
أنا لا أحاول ردَّ القضاء وردَّ القدر..
ولكنني أشعر الآنَ..
أن اقتلاعكِ من عَصَب القلب صعبٌ..
وإعدام حبكِ صعبٌ..
وعشقكِ صعبٌ
وكرهكِ صعبٌ..
وقتلكِ حلمٌ بعيد المنالْ..
فلا تعلني الحربَ..
إن الجميلاتِ لا تحترفن القتالْ..
ولا تطلقي النارَ ذات اليمين،
وذاتَ الشمال..
ففي آخر الأمرِ..
لا تستطيعي اغتيالَ جميع الرجالْ..
لا تستطيعي اغتيالَ جميع الرجالْ..

نزار قباني
--> -->

الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012

زوجاتنا الأربَعْ


قضينا العمر في المخدع
وجيش حريمنا معنا
وصكُّ زواجنا معنا
وصكُّ طلاقنا معنا.
وقلنا: الله قد شرَّعْ
ليالينا موزَّعةٌ
على زوجاتنا الأربعْ .
هُنا شفةٌ ..
هنا ساقٌ ..
هنا ظفرٌ .
هُنا إصبعْ
كأن الدينَ حانوت
فتحناه لكي نشبعْ ...
تمتَّعنا "بما أيماننا ملكتْ"
وعِشنا من غرائزنا بمستنقعْ
وزوَّرنا كلامَ الله بالشكل الذي ينفعْ
ولم نخجل بما نصنعْ
عبثنا في قداستهِ
نسينا نُبْلَ غايته ..
ولم نذكر سوى المضجَعْ
ولم نأخذ
سوى زوجاتنا الأربَعْ ..

نزار قباني
--> -->

الجمعة، 3 أغسطس، 2012

رجل وحيد


لو كنت أعرف ما أريد
ما جئت ملتجئا إليك كقطة مذعورة
لو كنت أعرف ما أريد
لو كنت أعرف أين أقضي ليلتي
لو كنت أعرف أين أسند جبهتي
ما كان أغراني الصعود
لاتسألي:من أين جئت،وكيف جئت،وما أريد
تللك السؤالات السخيفة مالدي لها ردود
ألديك كبريت وبعض سجائر؟
ألديك أي جريدة ماهم ما تاريخها..
كل الجرائد ما بها شيء جديد
ألديك-سيدتي- سرير آخر
في الدار، إني دائما رجل وحيد
أنت ادخلي نامي
سأصنع قهوتي وحدي ،
فإني دائما ..رجل وحيد
تغتالني الطرقات.. ترفضني الخرائط والحدود
أما البريد.. فمن قرون ليس يأتيني البريد
هاتي السجائر واختفي
هي كل ما أحتاجه
هي كل ما يحتاجه الرجل الوحيد
لا تقفلي الأبواب خلفك..
إن أعصابي يغطيها الجليد
لاتقفلي شيئا.. فإن الجنس آخر ما أريد

نزار قباني

--> -->

Share | مشاركة

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More